آخر تحديث: 16 / 10 / 2021م - 5:01 م

نهاية حقبة

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية

قبل عدة أسابيع من هذا التاريخ، اتخذ الرئيس التونسي قيس سعيّد، قراراً بتجميد عمل البرلمان، ورفع الحصانة عن أعضائه. وقد عنى ذلك تراجعاً كبيراً للدور السياسي الذي لعبته حركة النهضة، منذ سقوط نظام زين العابدين بن علي، السقوط الذي بدأ بما يسمى «الربيع العربي». وقد تبع قرار الرئيس سعيّد، حدث آخر في المملكة المغربية، هو فشل حزب العدالة والتنمية، واجهة جماعة «الإخوان المسلمين» في الانتخابات النيابية، وخسارته للسلطة. وبذلك يكون الستار قد أسدل على المرحلة تاريخية صعبة، مر بها العمل السياسي العربي منذ بداية عام 2011، تصدرت فيها جماعة «الإخوان»، مقاليد السلطة في عدد من الأقطار العربية.

بدأت الحقبة بحركات احتجاجية واسعة، انطلقت من تونس وسرعان ما تمددت لتشمل مصر وليبيا وسوريا والمغرب واليمن. وإذا ما قمنا بقراءة ما جرى في الحقبة التي غابت شمسها، فليس بالإمكان توصيفه بالعملية الثورية، وهي ليست فوضى غامضة. فالعملية الثورية لها شروطها وأدواتها ومناخاتها، وجميعها لم تكن متوفرة في الحراك الذي وصف تعسفاً ب «الربيع العربي». والفوضى الغامضة، التي وصفت أحياناً ب «الفوضى الخلاقة»، هي توصيف مغالط يختزل الحراك الشعبي، بشكل مبتسر ويحوّله إلى مجرد تماهٍ مع مشاريع كونية تهدف لتفتيت المنطقة، فالأمر أعمق من هذا التبسيط بكثير.

الوضع العربي مثقل بأزمات كثيرة، وكان مرشحاً باستمرار للانفجار في أية لحظة. فهناك أزمات اقتصادية حادة، وارتفاع في معدلات البطالة والفقر، وعجز عن مقابلة استحقاقات الناس، يقابله تغول للفساد والاستبداد. ولم يكن منطقياً أن يستمر الحال على ما هو عليه.

وقد رافق هذا الواقع المأساوي، انعدام وجود بوابات للأمل، حيث لم يتم طرح أي مشروع عملي، يهدف لتجاوز الأزمة، وإيجاد حلول عملية للخروج من النفق الصعب. لقد غلبت حالة الإنكار، من قبل صناع القرار في البلدان التي طالتها الحركة الاحتجاجية، وساد شعور عام لدى النخب الثقافية بأنه ليس بالإمكان تحقيق أفضل مما كان.

وجود أجندات خارجية لتفتيت الوطن العربي، لم يعد أمراً خلافياً. فقد أشير له منذ الأيام الأخيرة للحرب العالمية الثانية، حيث أشار الرئيس الأمريكي هاري ترومان، إلى أن عالم ما بعد الحرب سيكون مختلفاً، وأن المؤسسة البديلة عن عصبة الأمم التي ستكون تتويجاً لانتصار الحلفاء، يجب أن تأخذ بعين الاعتبار مصالح المظلومين، من أقليات قومية ودينية وطائفية. إن ذلك يتطلب من وجهة نظره، إعادة النظر في الخرائط السياسية التي تشكلت بعد الحرب العالمية الأولى، والتي قسمت غنائمها بين الفرنسيين والبريطانيين.

اكتشاف الأمريكيين للسلاح النووي، والتحاق السوفييت السريع بالنادي النووي، واشتعال الحرب الباردة بين القطبين الرئيسيين خلق حقائق جديدة. فلم يعد بالمقدور الحديث عن حرب مباشرة بين العملاقين. وكان البديل عن ذلك حروب الوكالة. وقد اقتضى ذلك أن يكون الوكلاء على الجانبين الأمريكي والسوفييتي، من القوة، بحيث يتمكنان من إشعال وإدارة تلك الحروب. وقد حدث ذلك بالفعل في الهند الصينية، ومنطقة الشرق الأوسط، وفي عدد من البلدان الإفريقية، ولذلك تأجل الحديث عن مشروع ترومان في تقسيم المقسم قرابة ثلاثة عقود، حيث كان هنري كيسنجر عرابه الأول، بعد معركة العبور عام 1973.

منذ مطالع السبعينات، توالت تقارير مراكز الأبحاث الأمريكية كمعهد «راند»، مشيرة إلى العراق، كمدماك أول في مشروع إعادة الاعتبار لحقوق الأقليات القومية، وأتباع الأديان والطوائف الدينية المختلفة.

تم اختيار العراق بعد توصيفه بالبلد الرخو، بسبب لوحته الفسيفسائية التي تجعل منه كياناً يفتقر إلى التجانس والوحدة.

والسرد في ذلك، طويل ومرير. فمن تصريحات وزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر في مؤتمر مدريد عام 1990، عن صياغة خارطة سياسية جديدة أكثر دراماتيكية من خريطة سايكس بيكو، إلى خطوط عرض حظر الطيران العراقي التي فرضتها إدارة الرئيس الأمريكي بل كلينتون، إلى احتلال العراق، وتدشين عملية سياسية على أساس القسمة بين الطوائف والأقليات، إلى الظروف التي أعقبت ما بات يعرف ب «الربيع العربي»، والتي نتج عنها تفكيك أوطان وسقوط دول.

إلا أن ذلك وحده لم يكن ليملك قابلية التنفيذ لولا رخاوة الكيانات العربية، وضعف مؤسسات الدولة الوطنية. لقد فشلت هذه الكيانات في تأسيس دول حديثة، وتآكلت مشروعيتها بسبب عجزها عن حماية أمنها القومي، وتوفير لقمة العيش للمواطن.

إن شرط الخروج من المأزق الراهن، هو استناد الدولة العربية إلى أسس معاصرة، والتمييز بين السلطة والدولة باعتبارها فوق الجميع، والممثل للمواطنة بكل تجلياتها، وصبواتها.