آخر تحديث: 24 / 10 / 2021م - 12:47 م

تطييف الأحداث السياسية.. رهان فاشل

حسين زين الدين *

أخذت المشكلة الطائفية منحى تصاعديا حادا في الآونة الأخيرة، وأصبحت أكثر الملفات سخونة في الواقع السياسي العربي والإسلامي، وجاء هذا التحول الكبير الذي طرأ على المشكلة الطائفية مرتبطا بحالة التأزم السياسي الذي تشهده المنطقة، وبما تثيره من تساؤلات ومخاوف على استقرار وأمن المنطقة برمتها.

إن القلق المتصاعد من الواعين في الأمة من حرب طائفية باردة في الوقت الراهن، قد تمزق العالم العربي والإسلامي إلى كانتونات ضيقة ودويلات صغيرة، هو نتيجة لتزايد حدّة الصراع في سوريا الذي أراد له البعض وجعله ذات بُعد طائفي ومذهبي، وهو ما تفسره الممارسات السياسية العبثية، وتصدح به المنابر الإعلامية التحريضية، بالإضافة لما تقوم به الجماعات التكفيرية من تهديد وتخوين وقتل على الهوية.

إن ما يقوم به ممن يحسبون على الدين - وبهذه الخطورة التي أسفرت عنها الأحداث الأخيرة في مجتمعاتنا - يُعدّ العامل الأبرز في تسعير الطائفية والمذهبية التي تصدرتها خطبهم الهستيرية المضللة، ومواقفهم المهوسة بالطائفية والرغبة في رؤية الدماء والمجازر.

لقد عمد هؤلاء على توظيف الأحداث السياسية توظيفا مذهبيا طائفيا، مستغلين الأوضاع الملتبسة التي تعصف بالأمة غطاء لما يفعلون.

في الوقت الذي يجب أن يدركوا حقيقة وخطورة الأوضاع التي تعصف بمجتمعاتنا وما تمر بها الأمة العربية الإسلامية من فوضى سياسية خلاقة، نراهم قد انشغلوا بالصراعات المذهبية والتحريض على القتال والجهاد هنا وهناك بدوافع مذهبية وطائفية، دون أن يعوا ما قد ستؤول إليه المنطقة من حرب طائفية مقيتة قد يطول أمدها، وقد تفتح المجال أمام اقتتال أفراد الوطن الواحد، وزعزعة وحدته واستقراره.

وقد ساهم الإعلام - أحد أدوات الصراع هو الآخر - في بروز هذا التوجه والمنهج، حين اصطبغت كل مواده الإعلامية بنبرة التحريض والتضليل والكذب، استطاعت من خلالها تحويل كل الصراعات السياسية في المنطقة إلى صراعات طائفية مذهبية التي باركت وثمّنت جهودها بعض الحكومات الداعمة والحاضنة لأولئك المتلبسين بالدين.

لقد ساهمت نزعتهم الطائفية التي تسود المنطقة في انحسار أخلاقيات الدين، وأبجديات الأدب الإنساني، حين راهنوا على مشروع الطائفية في صراعها من أجل الوجود والاستمرارية في الحياة، إلا أن رهانهم هذا رهان فاشل ومدمر. يقضي على وجودهم.

إن الرهان الحقيقي في تخفيف الشحن الطائفي يتشكل من موقف الواعين في الأمة بمختلف طوائفهم ودياناتهم، ويأتي في مقدمة أولويات هذا الموقف انفتاح كل مكونات الوطن أولا وتحولها من المدلول الديني الطائفي الضيق إلى المدلول الوطني الكبير، والإيمان بالتعددية كخيار للتعايش والتسامح ونبذ الكراهية والتعصب، والعمل على تأسيس ميثاق يحفظ كرامة الإنسان ويحقن دمه وعرضه وماله في مجتمعاتنا.

وبقي أن تدرك حكومات شعوب المنطقة خطورة ماتمر به الأمة، وأن بقاءها على أجندتها الطائفية سيقضي على هيبتها، ولن تستقر وحدتها وأمنها، إن هي بقيت على ذلك، وهو مايطلب منها الوقوف بحزم ضد أشباح الفتنة والكراهية.

وختاما يمكن القول: أن تطييف الاحداث السياسية هو رهان فاشل، ومن يراهن عليه هم فاشلون.