آخر تحديث: 29 / 11 / 2021م - 2:52 م

ليس كما عندي

قال تعالى: ﴿لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ «الحجر الآية 88».

المفاهيم الأخلاقية القرآنية ترسم معالم الهدوء النفسي وراحة البال للمؤمن من خلال سعيه المؤطر بنظرة بصيرة وخطوات محكمة مدروسة تخضع للعقل الواعي والضمير اليقظ، فالسعادة الأخروية التي يحققها هذا المنهج التربوي مما لا شك فيه وذلك باتباع التوجيهات الإلهية وضبط إرادته بإرادة المولى الجليل، ولكننا نسلط الضوء على الآثار الدنيوية على النفس المهذبة ليكون الخطاب ملامسا لتفكير أصحاب المنهج المادي، فيولد لديهم قناعة بأحقية وصوابية الأخلاقيات القرآنية، فيكون ذلك مدعاة لإيمانهم بالقيم الدينية التي توفر للمرء الغاية الأسمى له وهي السعادة الحقيقية.

وهنا تشير الآية الكريمة لمفاهيم متعددة نبدأ بأولها وهو مخاطر الانبهار بمباهج الدنيا وزخارفها التي يتزين بها من غرتهم الحياة الزائلة فجعلوها أكبر همهم وكأنهم مخلدون فيها لا يرحلون منها أبدا، فيقصرون همتهم وعملهم وجل أوقاتهم من أجل بناء ثرواتهم لبنة لبنة، فيشعرون بالسعادة الوهمية لأجل ذلك يلهثون خلف جمع الأموال وبناء العقارات وتحصيل الملذات منشغلين عن يوم يرحلون فيه بلا سابق إنذار من دنياهم الملتصقين بها؛ ليواجهوا يوم القيامة صحائف أعمالهم وقد خلت من أي رصيد من أعمال الخير والصلاح.

هناك صنف من الناس تتطلع أعينهم وتتطاول بالنظر لما في أيدي الناس من متاع الدنيا الزائل، فيزاول قلوبهم الحصول على الجاه والغنى كما عند غيرهم، وهذا التطاول لما في أيدي الناس يوجب في النفس الحسرة والشقاء المستمر بسبب الشعور بالنقص والدونية أمام الغير، كما أن القلب يشتعل حسدا وغيرة ويساور الفؤاد الرغبة بإصابتهم بالمكروه وزوال ما عندهم، وأما الأماني فتتحرك بدائرة الطمع والجشع والانتقال اللاهث من مستوى مادي ووجاهتي إلى ما هو أعلى منه، وكلما رأى من هو أحسن منه وأكثر مالا برق في عينه ما عنده ويتطلع ليكون هو مكانه.

ولكن حقيقة هذه الدنيا الزائلة تغيب عن الأذهان فيتعلق الناس بالدنيا ويلتصقون بها وكأنهم لا يفارقونها، فالموت حق ويقين ونهاية كل البشر بلا استثناء، فمن تفكر في ذلك صدمته وأعادت له رشده ووعيه، فدفعته بصيرته نحو جعل الحياة ميدان معرفة وعمل دؤوب وكأنه يسابق الريح فهو لا يدري عن غده يكون من عمره أم لا!!

المؤمن يعتقد يقينا بأن الله تعالى له الحكمة في تفاوت الأرزاق والأعمار من أجل ابتلاء عباده، ولذا فهو يتحرك وفق مبدأ القناعة في كل جوانب حياته فلا يتطلع إلى ما في أيدي الناس بالنحو السلبي الذي يورثه الهم والحسرة، بل يتمنى الخير للجميع ويبذل همه لتحقيق طموحاته بما يتناسب وقدراته وإمكانياته، وهذا هو المفهوم الثاني بالتوجيه بعدم إظهار الحزن والألم لوجود نعمة من مال أو صحة أو وجاهة عند غيره وهو لا يمتلكها، فعطايا الرحمن أو حرمانه لعبد من شيء من ملذات الدنيا إنما يأتي وفق سنة الاختبار التي تظهر المعدن الحقيقي للمرء، فنعم الله تعالى على أي واحد من الناس لا تعد ولا تحصى ولذا عليه التطلع لنفسه وما وهبه سبحانه ليشكر تلك النعم، كما أن النعمة الكبرى هي الهداية والصلاح والاستقامة والتوفيق لصنع المعروف وعمل الخيرات وتجنب خطوات الشيطان والمعايب.

والمفهوم الثالث والأخير في الآية الكريمة هو الدعوة إلى النظر إلى الآخرين بعين الاحترام والتقدير بدون تفاوت بين شخص وآخر، فهناك من ينظر لغيره بعين الدونية والازدراء لا لشيء سوى أنه لا يشترك معه في مصلحة، أو قد يكون متعاليا على الآخرين بسبب تفوقه الدراسي أو امتلاكه لأسباب القوة المادية فيستصغر غيره، وهذا التكبر من عوامل الاهتراء والتوتر في العلاقات الاجتماعية، ولذا يدعو القرآن الكريم إلى التواضع المعبر عنه بخفض الجناح، فالمؤمن يمتلك قلبا يحمل مشاعر المحبة والتسامح ويتعامل باللين في كلمته ومواقفه.