آخر تحديث: 24 / 10 / 2021م - 10:16 ص

المنتديات الثقافية السعودية بين الأنا والآخر

حسين زين الدين * ميدل ايست أونلاين

تمثل المنتديات الثقافية روافد غنية للحراك الاجتماعي / الثقافي وتطوره في المجتمع السعودي، وحاضنة يجد فيها الكتاب والمثقفون متسعا من الحرية والتنوع بعيدا عن قيود البيروقراطية في إطار منظم وفعال يسوَقون أفكارهم وآراءهم عبر مداولتهم للأفكار والآراء بالنقد والنقاش بهدف إحياء الثقافة الإنسانية والحضارية وبثها من جديد في صيغ جديدة ومتنوعة في حياة المجتمع متناغمة مع معطيات العصر وتحدياتها.

فكان لتلك المنتديات الدور الفاعل في إبراز الصورة الحقيقية للمجتمع السعودي في تحريك الطاقات المجتمعية الوطنية الدفينة واستثمارها في إنتاج الفكر وتوطيد علاقات الأفراد مع اختلاف انتماءاتهم ومكوناتهم وطبقاتهم الدينية والفكرية.

وفي السنوات الأخيرة شهد مجتمعنا بروز العديد من المنتديات ذات توجهات متعددة تنوعت بتنوع انشغالها المعرفي والثقافي أسهمت في استنطاق العقل الجمعي واستفزاز كوامنه في عملية تتطلب تخطي التصلب العقيم في تدفق الأسئلة الواعية المزحزحة للكثير من الأنماط المهيمنة والأنساق السائدة والمضي في الحياة للنظر إلى الأشياء بطريقة مغايرة ومبتكرة.

وعلى كل حال فإن تلك الأسئلة لا تعني بالضرورة وبشكل قاطع أنها ستقود المجتمع إلى حقائق كاملة وحلول نهائية، بل ما ينبغي التأكيد عليه أن تلك الأسئلة الواعية تشكل قناة جاذبة للمزيد من خصوبة الإنتاج المعرفي التعددي لتهيئة المساحات الحاضنة للاستنتاجات الموضوعية. ولعل من الجميل الإشارة إلى أنه وعلى مدار السنوات الماضية استطاعت المنتديات على تقريب المسافات بين الأنا والآخر نحو الدعوة على الانفتاح والتداخل والتفاعل الإنساني والمعرفي. كان لذلك الانفتاح الأثر الكبير في كسر حالة العزلة والتقوقع حول الذات المجتمعي، والتقليل من حدِّة القطيعة والتباعد خاصة بين النخب الثقافية والزعامات الاجتماعية والدينية، وإن كانت هذه العلاقة تظهر في فترات وتختفي في أخرى بحسب التموجات التي تفتعلها الأحداث المحلية والإقليمية، لكن يبقى الرهان على بقائها ظاهرة في ضرورة التأكيد على الدعوة نحو تعزيز مفهوم المواطنة والاندماج الاجتماعي في مشاريع وطنية، يكون الهاجس الأول خدمة الوطن من أولوياتها، بعيدا عن أي اعتبارات مذهبية أو طائفية أو مناطقية أو أحداث طارئة هنا وهناك.

إن من الإشكاليات التي لا تزال تؤخذ على بعض منتدياتنا إن لم نقل غالبيتها، انحصارها في أسماء معينة، ومواضيع مستهلكة، بالإضافة إلى بعدها عن قضايا الوطن وهموم الناس.

وتظل الإشكالية الكبرى في تلك المنتديات تهميش الشباب وإقصاء المرأة فكرا ووجودا ومشاركة، ولعل البعض يبرر ذلك التهميش إلى الشباب أنفسهم، وإلى امتناع المرأة عن المشاركة والتواجد في المنتديات، لكن بالوقوف على الكثير من تلك المنتديات يمكن أن نوصف إشراكها للشباب بالمحاولات الخجولة من أجل رفع حالة الحرج، وأن حقيقة امتناعها لتواجد المرأة في أروقتها والتفاعل إلى جانب الرجل ناتجة من سياسة الرفض والمنع، ليس في المنتديات فقط بل في الكثير من المناشط الثقافية والاجتماعية.

ولا غرابة حين نجد أن الكثير من قضايا المرأة تتناولها المنتديات بعيدة عن تواجدها ومشاركتها، ولا عجب من أن التوجس من مشاركة المرأة إلى جانب الرجل نابع من الإحساس والتصور اللإنساني في الصورة النمطية للعلاقة بين الرجل والمرأة في مجتمعنا. وحقيقة هذا الشعور لا نجده إلا في مجتمعاتنا، والسبب عائد للثقافة الدينية والأعراف المهيمنة التي روج لها بعض حراس الدين.

إننا اليوم مطالبون من أي وقت مضى في أن تأخذ منتدياتنا دورا أكثر فاعلية مع الشعور بالمسؤولية الوطنية بمشاركة الجميع بكل توجهاتهم وانتماءاتهم في قضاياهم وهمومهم، خاصة في هذه المرحلة التي تتموج بالكثير من التناقضات والتحديات التي يواجهها وطننا.

إنها مطالبة بمزيد من التطلع للعمل على إرساء قيم المواطنة، وتعزيز حالة الاندماج الاجتماعي، والشراكة الوطنية الفاعلة، وأن تأخذ دور الرقيب على تجاوزات المؤسسات الرسمية.

ولعل من الجميل في هذا الصدد الإشادة باللقاء الذي نظمه ملتقى الوحدة الوطني بمحافظة القطيف تحت شعار «كلنا ضد الطائفية» في الأسبوع الماضي بحضور شخصيات وطنية من المثقفين والكتاب ورجال دين من السنة والشيعة، كمبادرة باتجاه رأب الصدع ومد جسور التواصل والمحبة بين مكونات الأمة، خاصة مع زيادة وتيرة التطرف والاصطفاف الطائفية فيما بعد مايسمى بالربيع العربي.

مفاد القول: إن المنتديات الثقافية أصبحت ضرورة من ضرورات بناء الوعي المجتمعي الوطني إن استطعنا نحن توظيف أدواتها وإمكاناتها وأهدافها في الطريق الصحيح في صناعة مجتمع إنساني حضاري.